الحديث
الحديث التاسع عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم". (رواه البخاري ومسلم)
شرح الحديث
شرح وفوائد الحديث قوله ﷺ « ما نهيتكم عنه فاجتنبوه » أي اجتنبوه جملة واحدة لا تفعلوه ولا شيئاً منه، وهذا محموله على نهي التحريم، فأما نهي الكراهة فيجوز فعله، وأصل النهي في اللغة: المنع. قوله ﷺ: « وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم » فيه مسائل: منها إذا وجد ماء للوضوء لا يكفيه فالأظهر وجوب استعماله ثم يتيمم للباقي. ومنها إذا وجد بعض الصاع في الفطرة فإنه يجب إخراجه. ومنها إذا وجد بعض ما يكفي لنفقة القريب أو الزوجة أو البهيمة فإنه يجب بذله. وهذا بخلاف ما اذا وجد بعض الرقبة فإنه لا يجب عتقه عن الكفارة، لأن الكفارة لها بدل وهو الصوم. وقوله ﷺ: « فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم علىأنبيائهم ». اعلم ان السؤال على أقسام: القسم الأول: سؤال الجاهل عن فرائض الدين كالوضوء والصلاة والصوم، وعن أحكام المعاملة ونحو ذلك. وهذا السؤال واجب وعليه حمل قوله ﷺ: « طلب العلم فريضة على كل مسلم » ومسلمة، ولا يسع الإنسان السكوت عن ذلك قال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: 43]، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إني أعطيت لساناً سؤولاً وقلباً عقولاً، كذلك أخبر عن نفسه رضي الله تعالى عنه. والقسم الثاني: السؤال عن التفقه في الدين سبحانه وتعالى: { فلولا نفر َ مِنْ كُلَّ فرقةٍ منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولِينذِروا قومَهُمْ إذا رَجَعوا إليهم لعلهم يَحذَرون } [التوبة: 122]. وقال ﷺ: « ألا فليعلم الشاهد منكم الغائب ». القسم الثالث: أن يسأل عن شيء لم يوجبه الله عليه، ولا على غيره، وعلى هذا حمل الحديث لأنه قد يكون في السؤال ترتب مشقة بسبب تكليف يحصل ولهذا قال ﷺ: « وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تسألوا عنها ». وعن علي رضي الله عنه لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ً}. [آل عمران: 97]. قال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله ﷺ: « وما يوشك أن أقول نعم، والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه ». فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسُؤُكُم } [المائدة: 101]. أي لم آمركم بالعمل بها، وهذا النهي خاص بزمانه ﷺ. أما بعد أن استقرت الشريعة، وأمن من الزيادة فيها زال النهي بزوال سببه، وكره جماعة من السلف السؤال عن معاني الآيات المشتبهة. سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى }[طه: 5] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وأراك رجل سوء أخرجوه عني. وقال بعضهم: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم: وهو السؤال.